القرطبي
297
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وتالله لأكيدن أصنامكم ) أخبر أنه لم يكتف بالمحاجة باللسان بل كسر أصنامهم فعل واثق بالله تعالى ، موطن نفسه على مقاساة المكروه في الذب عن الدين . والتاء في " تالله " تختص في القسم باسم الله وحده ، والواو تختص بكل مظهر ، والباء بكل مضمر ومظهر . قال الشاعر : ( 1 ) تالله يبقى على الأيام ذو حيد * بمشمخر به الظيان والآس وقال ابن عباس : أي وحرمة الله لأكيدن أصنامكم ، أي لأمكرن بها . والكيد المكر . كاده يكيده كيدا ومكيدة ، وكذلك المكايدة ، وربما سمى الحرب كيدا ، يقال : غزا فلان فلم يلق كيدا ، وكل شئ تعالجه فأنت تكيده . ( بعد أن تولوا مدبرين ) أي منطلقين ذاهبين . وكان لهم في كل سنة عيد يجتمعون فيه ، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا - روى ذلك عن ابن مسعود على ما يأتي بيانه في " والصافات " ( 2 ) - فقال إبراهيم في نفسه : " وتالله لأكيدن أصنامكم " . قال مجاهد وقتادة : إنما قال ذلك إبراهيم في سر من قومه ، ولم يسمعه إلا رجل واحد وهو الذي أفشاه عليه . والواحد يخبر عنه بخبر الجمع إذا كان ما أخبر به مما يرضى به غيره . ومثله " يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل " ( 2 ) [ المنافقون : 8 ] . وقيل : إنما قاله بعد خروج القوم ، ولم يبق منهم إلا الضعفاء فهم الذين سمعوه . وكان إبراهيم احتال في التخلف عنهم بقوله : " إني سقيم " ( 2 ) [ الصافات : 89 ] أي ضعيف عن الحركة . قوله تعالى : ( فجعلهم جذاذا ) أي فتاتا . والجذ الكسر والقطع ، جذذت الشئ كسرته وقطعته . والجذاذ والجذاذ ما كسر منه ، والضم أفصح من كسره . قاله الجوهري . الكسائي : ويقال لحجارة الذهب جذاذ ، لأنها تكسر . وقرأ الكسائي والأعمش وابن محيصن : " جذاذا " بكسر الجيم ، أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم ، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف . قال الشاعر : جذذ الأصنام في محرابها * ذاك في الله العلي المقتدر
--> ( 1 ) هو مالك بن خالد الخناعي الهذلي . وحيد هنا ( كعنب ) : كل نتوء في الجبل . والمشمخر : الجبل العالي . والظبان : ياسمين البر . والمعنى : لا يبقى . ( 2 ) راجع ج 15 ص 94 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 129 .